عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
94
الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم ( ويليه مراتب الوجود وحقيقة كل موجود ونسيم السحر )
حكم سيوفك في رقاب أولى النهى * ما ثم إلا طائع أو راضي يروا مواقع مشيئته والإرادة فشغلوا عن مقتضى الشقاوة والسعادة واستوى عندهم لمراده فعل المعصية والعبادة فسعوا على الأجفان إلى المراد من غير ما توقف وعناد فقال قائلهم : أتيت الذي يقضيه في مراده * وعيني له قبل الفعال تطالع فإن كنت في حكم الشريعة عاصيا * فإني في حكم الحقيقة طائع هؤلاء هم أهل حقيقة السعادة ولهم دون من سواهم المزية والسيادة ، لكنهم متفاوتون في المعالي متميزون في التعالي ، فالمكرّم الواصل والمذلل الكامل هو من أجراه اللّه في طريق الطاعة فأدام وصلته وأزال انقطاعه لأنه أوجده في مكارم الأخلاق ، فجد في أعمال البر كالصوم والصلاة لوجوده فيها محبوبه وشهوده مطلوبه وإلى هذا المعنى الأعظم أشار النبي صلى اللّه عليه وسلم بقوله عليه سلام اللّه : « وجعلت قرة عيني في الصلاة » « 1 » فقرة عينه في كل حال وجود ذات الكبير المتعال ، والمعنى أنه وجد الكمال والسيادة في الجانب اليمين المعبر عنه بالسعادة فتحقق بالربوبية في عين العبودية والعبادة ، ومن ثم كان طريقه أعلى الطرق وفريقه أفضل الفرق لوجود آثار الكمال في الطريق المخصوصة بالجمال وإلى هذا المعنى أشار سيد الوجود على الإطلاق بقوله : « بعثت لأتمم مكارم الأخلاق » « 2 » ، لأنه جمع بذاته الكمالات الخلقية إلى ما هو له من الحيطة بالكمالات الحقية ، فتمت له مكارم الأخلاق لجمعه بين الوهب والكسب إلى ما هو له بالأصالة والاستحقاق .
--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه . ( 2 ) رواه البيهقي في السنن الكبرى ( 10 / 192 ) تصوير بيروت .